تجربة الوحش الصامت

تجربة الوحش الصامت

المتلعثمون هم الاشخاص الذين يجدون صعوبة فى نطق الكلمات بشكل واضح فالمتلعثم ليس له سن او شكل او مظهر معين ولكن اختلف العلماء والاطباء عن فهم اسباب التلعثم عند الانسان,هل هو مرض وراثى ام هو ليس بمرض من الاصل, هل هو نتاج تأثر الشخص المتلعثم لتجارب حياتية جعلت شعور من القلق والتوتر والخوف يتولد بداخلة, فيرتطم لسانه فى حلقة عند نطق الكلمات امام العامة من الناس نتيجة خوفه من الخطأ, هل الشخص المتلعثم يحمل افكاراً متلعثمة وعندما يتحدث الى نفسه يتلعثم ايضاً , ام تلك الحالة تظهر فقط عندما يواجه العالم.

يتلعثم شخص امامك ولا تفهم ما المقصود من كلامه الا بصعوبة, فماذا انت بفاعل؟ , أتضحك على تلعثمة؟, ام تطلق النكات عليه؟, ام تشعر حياله بالشفقة والعطف وتحاول ان تساعده بطريقة ما؟, فى الوقت الحالى هناك الكثير من المراكز الصحية لعلاج تأخر الكلام ومشاكل النطق فى العالم, حيث أقر العالم قديما ان هناك علماً يسمى علم نطق الكلام, لم يكن هذا العلم يوما ما علما طبياً خالصاً ولم يكن علما ذو ابعاد نفسية بحتة, ولكنه مزيج بين علم الطب وعلم النفس البشرية.




1926 م "ويندل جونسون" شاب مزارع 20 عاماً متلعثم فى الكلام, يدخل الجامعه ويواجه الكثير من التحديات, لم يسلم جونسون من مضايقات المتنمرين واحياناً افراد العائلة واصدقاء الحى من اطلاق النكات والمزاح السيئ على طريقة نطقة للكلمات, فأخذ يطلق النكات المضاده ويسخر على واقع لم يفهمه يوما ما ولا يفهم اسبابه, فلم يرى احداً سواه يتلعثم فى الكلام, فأخذ يقلب الكفه لصالحة ويروج على انه مميز وان الله وضع به تلك الميزه كى يتوقف الناس من حوله عن مناداته "بالمهرج" فقد اشتهر وزاعت اخباره مدينة ايوا الامريكية واصبح يطلقون عليه " المهرج" , لم يستطع المثابرة على الرد وجهاً لوجه على النكات بالنكات المضادة ولكنه انتقل الى الكتابة واصبح بارع فى كتابة الادب الساخر وبدأ الاخر ان يبدى له كل الاحترام لانه يبدع فى كتاباته الساخرة.

لم يختزل جونسون مجهودة فى الكتابه فقط فقد قابل العديد من الاشخاص يتأتأون فى الكلام , فاصبح عنده شغف لان يثبت للعالم ان لهذا التلعثم سبباً ومصدراً يجب ان يكتشف, فبحث كثيراً فى علم النفس والطب ايضاً وكان يواجه رفضاً كبيراً من اساتذة الجامعات لرفضهم لفكرة ان التلعثم علماً يجب ان يناقش حتى اعترف الجميع وتركوه يكمل ابحاثه وتجاربه لاثبات انه يوجد علم اسمه "علم نطق الكلام" و اصبحت كلماته المشهورة " لقد اصبحت استاذاً فى علم نطق الكلام فقط لاننى احتاجه ".


القصة لم تنتهى بعد اعرف انك مللت من السيرة الذاتية لجونسون ولكن جونسون رغم نبل اخلاقة ونبل هدفه شارك هو وزملائه فى تجربة طبية لقبت " بتجربة دراسة الوحش" "Monster Study" , فقد كانت من اسوأ التجارب على البشر حتى يومنا هذا, سنتحدث عنها لاحقاً, ولكن دعنا نتحدث عن التجارب السابقة فى هذا المجال, لعلاج التلعثم وجد جونسون ان الاساليب المعروفة والمنتشره لعلاج التلعثم فى الكلام يجب ان يعرف من الاصل مصدرها, فلم يكن مصدرها عضوياً يوماً ما ولكن مصدرها لخص فى مقولته " التلعثم لم يبدأ بداخل فم الطفل ولكنه بدأ فى اذان الوالدين" . بتلك المقوله بدأ العالم ينتقل الى ان التلعثم هو نتاج نفسى خوف وتردد من مواجهة الاشخاص, نتاج اهتزاز الثقة منذ البداية , ولكن هناك بعض الاشخاص يبدأوون فى التلعثم فى الكبر, فبدأت تجارب فى العالم بالصدمات الكهربائية على مراكز المخ والضرب المبرح على الارجل وايضاً اطلاق النار بجانب اذن المتلعثم, كل تلك التجارب كانت فى سبيل ان يصل الطبيب الى سبب التلعثم وعلاجه , الوصول الى مراكز النطق فى جسم الانسان ومفاجأته بتأثرات خارجية صعبة, تلك المؤثرات الخارجية رغم حدتها ووحشيتها فى بعض الاحيان ولكنها ليست معذبة للنفس البشرية كان غرضها نبيل كما يقال لعلاج المتلعثمين, مالذى يخيف المتلعثم كى يخاف ان يطلق العنان للسانه, ما الذى يكون اكثر خوفاً من الضرب واطلاق النار بجانب الاذنين واحياناً توجيه البنادق نحوه للتهديد.




لم يقتنع جونسون بتلك التجارب المجراه واقتناع الاساتذه والاطباء بأن مراكز النطق يمكن معالجتها بتلك الطرق التقليدية, فقد كان طفلاّ يتكلم بطريقة طبيعية حتى سن السادسة ولكنه بدأ يتأتأ عندما ابلغ والديه ان جونسون يتأتأ فى الكلام فى المدرسة منذ اسابيع ويجب عليكم القلق حيال ذلك, لم يكن يتأتأ بالصوره المرضية التى تقلق ولكن الجو العام الذى هيأه المدرس فى الفصل ووالديه هو القلق عليه ونقل الخوف الى قلبه انه يحمل صفات غريبة فى نطق الكلام بصورة صحيحة جعل منه "جونسون المتلعثم".

مارى تيودور احد الطلبة الذين جندهم جونسون للبحث العلمى فى ذلك المجال وكانت متعطشة لهذا البحث بشدة, علم ان جامعة ايوا يوجد بينها وبين دار ايتام دافنبورت ابحاث علمية ونشاطات اجتماعية, هذا الارتباط ما بين دار الايتام جعلت التجربة الوحشية تلمع فى اعين طلاب الدراسات العليا بقيادة الدكتور جونسون فى اكمال البحث العلمى لعلاج التلعثم فى النطق, كان الهدف نبيلاً ولكنه تحول الى هدف وحشى نتاجه البحث العلمى لعلاج التأتأه ولكن الوسيلة موحشة لدرجة اغضبت الجميع.

يعرف بالبحث العلمى وبالاشعه والتشريح ان النصف الايسر من المخ هو المسؤول عن خلايا النطق وتكاثرت الاقاويل بعد البحث انه يوجد تشويش فى تلك المراكز و لكن تيودور وبقية الطلبة المشاركين فى تجربة الوحش لم يعيروا اى اهتمام لاى من الابحاث العلمية السابقة, فقط الشق النفسى هو ما سوف يتم توجيه التجربة من خلاله.

دار الايتام فى دافنبورت هى دار ايتام لاطفال من سن الخامسه الى الخامسة عشر معظمهم ابناء جنود ماتوا او فقدوا او والديهم لم يستطيعوا ان يقوموا بتربيتهم فقد كانت دار الايتام فريسة بالنسبة لفريق البحث العلمى بقيادة جونسون, تم البحث فى ملفات جميع الاطفال وتم تحديد المجموعة المناسبة لعمل التجربة الطبية 22 طفلاً تم تصنيفهم حسب الحالة الاجتماعية وصنفوا منهم اطفال يستخدمون اياديهم اليمنى واخرين يستخدمون اياديهم اليسرى عادة, البعض منهم متلعثم بالفعل والبعض غير متلعثم ويتكلم بشكل صحيح, التجربة وباختصار هى الجلوس مع المتلعثمين كل طفل على حدى واقناعهم بانهم غير متلعثمين ولا يلتفتون الى التنمر والضحكات والانتقاد وبارادتهم يستطيعون التغلب على التلعثم فى المقابل الجلوس مع الاطفال الاصحاء واقناعهم بان لوحظ عليهم منذ فترة تلعثمهم وعدم خروج الالفاظ بشكل جيد عند القراءة والكلام جهرا وطلب منهم الامتناع عن الكلام حتى لا يقعوا فى الاخطاء, كان البحث يقوم على الجانب النفسى للاطفال الصغار واستغلال برائتهم وتصديقهم للواقع من حولهم, وبعدما مرت الايام والاسابيع والشهور كانت النتيجة فشل ذريع انسانيا ولكنه نجاح منقطع النظير مؤقت فقد سكت الاطفال عن الكلام, لم يتأتأ المتلعثم مرة اخرى فهو لن يتحدث مرة اخرى, والغير متلعثم انطوى وتوحد وشعر بكل مشاعر الخوف والقلق من مواجهة العالم الخارجى, لقد تحول الاطفال الى وحوش لا تتكلم كارهه للعالم الخارجى اصابهم امراض نفسية كالتوحد والانطوائية , وكانت النتيجة من البحث هى ان التلعثم صفة مكتسبة من الممكن ان تجعل شخصاً ما متلعثماً بسهولة عن طريق الضغط النفسى.


وانتهت التجربة بمقاضاة الاهالى ودار الايتام للجامعه والاساتذة والقائمين على البحث فى هذه التجربة وكانت القضايا تطالب بالكثير من التعويضات,تم اخفاء التجربة لسنوات طويلة لكونها عمل غير اخلاقى وغير انسانى , تم استخدام الاطفال فى مواضيع بحثية وهم ليسم على دراية كونهم صغار, ولكن الكبار قدموا للمحاكمة وتم صرف تعويضات كبيرة, لان الاطفال كانوا مجبرين على الضغط النفسى واحياناً كان الضرب عقاب من يتحدث دون اذن لانهم اوهموهم انهم اصحاب مشاكل فى النطق,بعد خمسة اشهر من التجربة كان احد الاطباء ومقولته الشهيرة " نورمان جاك خمس سنوات كان يتكلم بطلاقة وبعد التجربة لن يتحدث مجدداً". فقد أسدل الستار على التجربة الوحشية.

لم يجد العلم اى تأثير نفسى او عضوى سبباً مباشراً للتلعثم والتأتأة فهى مزيج بين الاثنين , الدكتور راينر نونينبرج اثبت ان 75 % يعتبر هذا المرض وراثة فقد ورثه من جده ووالده وابنه ايضاً ورث التأتأة منه, يقول احياناً اصاب بالتأتأة واحياناً اخرى اتكلم بطلاقة, فالكاتب الشهير برنارد شو واينشتاين وارسطو كانوا متلعثمين فى الكلام كما قيل, وكانت مقولة نونينبرج الشهيرة " ليس عندى مشكلة مع الغناء لفترات طويلة ولكن عند الكلام ينحشر لسانى فى حلقى واستجمع الكلمات لانطقها, فالنصف الايمن من المخ هو المسؤول عن الغناء والايسر عن الكلام.


لذلك لازال البحث العلمى المتقدم مستمر فى علاج التأتأة ويوجد العديد من مراكز التخاطب وعلاج صعوبة نطق الكلام للاطفال والكبار وطرق العلاج تقليدية بل وتكون بدائية فى بعض الاوقات والمفاجأة انها تحدث نتيجة فعاله فى الكثير من الحالات, مشاكل نطق الكلام مثل التلعثم و تعثر فى بعض الحروف او كما يقال " اللدغ" من السهل بتمارين بسيطة علاجها وبتقنيات معقدة ايضاً يمكن حلها, والجانب النفسى مهم للغاية فى المراحل الاولية للتلعثم ,الجانب النفسى للطفل وطريقة تعامل والديه وتربيتهم له هى اكبر العوامل المسؤولة عن تكوين الشخصية للطفل , لا ينبغى على المتلعثم ان يكون انسان منتقص فى الذكاء او النبوغ العلمى والثقافى ولكن الاذى النفسى الناتج عن الضحكات والنكات التى تطلق بداخل المتلعثم نفسه تجعله مستمر فى التأتأة وعدم اخراج الكلمات ليعبر عن نفسه وعن مشاعره.
فاذا قابلت متلعثماً مرة اخرى لا تضحك ولا تشفق عليه بل تعامل معه بصورة طبيعيه واذا اردت سؤاله عن سبب التلعثم ادخل فى النقاش ولا تجعله يخاف منك ويخاف من اسألتك الدفينه,تكلم معه بصورة طبيعية فهو انسان طبيعى مثلك فاذا فكرت فى غير ذلك اعلم انك لست شخصا ًطبيعياً بل انت متلعثما ايضاً ولكن فى فكرك.

اعرف اكتر عن اخر الاحصائيات عن موضوع التلعثم
https://www.ninispeech.com/stuttering-facts-and-stats/

Written by: Mohamed Qurany
#
Bin_Qurany
#
TRex_Magazine

التعليقات
1 التعليقات

1 التعليقات so far